السبت، 1 مارس 2014

من أجل أن تكتب روايتك؛ عليكَ أن تحارب شياطينك أولًا 3

بشكل خاص أنا معجب بـ " نجيب محفوظ".. أعترف أنني لم اقرأ إلا مجموعة قليلة من كتاباته، وهي تنبيء عن عبقرية أدبية لا شكّ فيها، لكن سرّ إعجابي يعود إلى طريقته في الكتابة، وتنمية موهبته.
الحقيقة أن الرجل قرأ كثيرًا جدًا، وكتب كثيرًا جدًا، وتخلص من بعض كتاباته كثيرًا جدًا.
في البداية كان يقلد أسلوب" المنفلوطي"، ثم تحرر منه تدريجيًا. كان مهتمًا بالتاريخ الفرعوني، وكان يخطط لكتابة مجموعة كبيرة من الروايات، ثم تحرر من هذه الرغبة، ودخل في منطقة الواقعية، ثم دخل في مرحلة الرمزية الفلسفية.
الرجل دومًا متطور.. لا يضيع وقته في الأفكار، والتخمين، وأحلام اليقظة.
إنه يتعامل مع الكتابة بروح الموظف.
نعم..
فعندما تنظر إليه لأول مرة، ترى عليه سمت الموظفين المألوف، ذلك النموذج الذي نقابله كل يوم في المترو، أو الأتوبيسات الحكومية، ونستطيع أن نحدد هوّيته على الفور، حتى عندما يجلس في مكتبه وينتظر شيئًا ما، تُدرك أن هذا الرجل موظف صميم، لعله امتداد للكاتب المصري القديم الجالس القرفصاء
وفي الواقع أنت لست مخطئًا تمامًا، ولست محقًا تمامًا، والأمر ليس لغزًا مستعصيًا. ما زال صاحبنا جالسًا، والآن يمسك قلمه ويبدأ في الكتابة. كلا.. كلا.. ليست أعمالاً حكومية جلبها معه من وزارة الأوقاف حيث يعمل.

 إنه يكتب رواية.. أو قصة قصيرة.. في ذات الموعد من كل يوم.. قد تكون هناك خطة مسبقة؛ تتمثل في ملف شامل يحتوي على أسماء الشخصيات، وسماتها النفسية والشكلية، وكأنه يجري دراسة أكاديمية مرهقة، كما فعل في ثلاثية "بين القصرين"، على سبيل المثال.

 وقد يجلس دون تصور، ولأنه غير مقتنع بفكرة الإلهام الذي يأتي للكاتب، وبعزم الموظف الذي يؤدي مهمته مهما كانت صعوباتها، يبدأ في الكتابة بأي شيء، لهذا قد تندهش أنه بدأ أعمالاً له بتلك الكيفية مثل "حكاية بلا بداية ولا نهاية
".
على المستوى الشخصي والعملي، كان نجيب محفوظ يقدس الوقت بشكل لم نره في كاتب مثله أو بعده، حتى أن الطيب صالح انتقد محفوظ في سلوكه هذا؛ فبينما كان الطيب صالح يكتب ويستمتع بحياته، كان نجيب محفوظ على النقيض. ينفذ كل شيء في وقته المحدد، دون تأخير، ورأيي الشخصي أن سلوك كل واحد من الكاتبين قد انعكس على كتاباته؛ فنجيب له عدد كبير من الروايات والقصص القصيرة والمقالات، بينما الطيب صالح تعدّ أعماله عدًّا.

يمكنك أن تخرج من هذه السطور بعدة نقاط:

•       لا تضيع وقتك.. ابدأ فورًا في الكتابة.
•       تعامل مع الكتابة بروح الموظف.. كل يوم أنجز عددًا معينًا من الكلمات.. لا تنس أن ستيفن كنج كان يفعل هذا.. فهو يكتب ألفي كلمة كل يوم على الأقل.. لهذا صار له هذا الكمّ المفزع من الأعمال.
•       الكتابة عملية  تصلح نفسها بنفسها.. لن تعرف حدود موهبتك إلا عندما تغامر بأقصي ما لديك.. تعامل مع الكتابة على أنها مغامرة يومية تخوضها.. مغامرة تدهشك بكل ما تجلبه لك من مفاجآت.
•       استفد من كل شيء حولك.. كن متيقظًا.. أحاديث العائلة، ومشاكل الجيران، وقصص الحب الناجحة والفاشلة، وكل ما يدور حولك.. يصلح لأن يكون بداية لشيء ما يستحق أن يُقرأ..




إرسال تعليق