الثلاثاء، 24 ديسمبر 2013

من أجل أن تكتب روايتك؛ عليكَ أن تحارب شياطينك أولًا 1


هذا صحيح. من أجل أن تكتب روايتك؛ عليكَ أن تحارب شياطينك أولًا. عليك أن تحارب الكسل، والنوم، والتسويف، والتلكؤ، والتعلل بقلة الإمكانيات، وبأن قدراتك ما زالت في أطوارها الوليدة، أو أن لغتك تحتاج إلى صقل... الخ. أتحدث هنا عمن يحبون الكتابة بصدق.

 أولئك الذين يعرفون بأنهم سيحدثوا تغييرًا- ولو بسيطًا- على الخارطة. هؤلاء الذين سيضيفون للكتابة عوالم أكثر جمالًا من عالمنا. عوالم تنضح بالمحبة، والدفء، وتفهم الآخر. عوالم تؤكد على إنسانيتك، بغضّ النظر عن ديانتك، أو حزبك، أو طائفتك، أو معتنقك أيّا كان.

 في النهاية نحن قادمون من أصل واحد، نضحك لذات الأشياء، ونبكي تأثرًا من ذات الأشياء، ونحب المرح، ونستمتع بالجمال أينما كان، ونتمتع بالفضول المعرفي، ونحاول استكشاف الكون،  ونخلق عوالم موازية على الورق، وعلي شاشات السينما والتليفزيون، وعلى اللوحات، وفي الذهن، وبين نظريات الفلسفة والفيزياء.

 نحاول أن نتجاوز أعمارنا المحدودة، بأحلام عظام، نحاول تجسيدها بأشكال مختلفة، لعلها تمنحنا خلودًا من نوع آخر. خلودًا يتعدي أجسادنا الهشة، وسنواتنا القصيرة، وكآباتنا، وأحزاننا.
لهذا نكتب، ولهذا نقرأ.

بشكل ما يقدر الفنان/ الكاتب/ الممثل على أن ينقل معاناته للمتلقي. بشكل ما تنتقل جذوة حية من هذا لذاك. من أ إلى ب. عندما تقرأ رواية، أو تشاهد فيلمًا، فبشكل ما أنت تقترب إنسانيًا من شخصية ما. لعلها الأقرب إليك في الشبه، أو لعلها الأكثر صدقًا. تتماهي معها، تمتزج بتفاصيل حياتها، وبعد أن تفرغ من قراءة الرواية/ مشاهدة الفيلم أو المسلسل، يبقي أثرٌ ما بداخلك. أثر يتضخم، وينمو، ويخلق عالمًا بديلًا.

هذه هي عظمة الفنون عمومًا. إنها لا تعترف بالفوارق العرقية،  أو الجغرافية أو الزمنية. يمكن للعمل الإنساني العظيم- أيًّا كان- أن يظلّ آمادًا طويلة، محتفظًا بحيويته وصدقه ووهجه.

ما زال الناس يقرأون دون كيخوته، ويعتبرونها من أروع الملاحم الإنسانية، وما زال بطلها يستثير عواطف القرّاء وشفقتهم، وما زال كل من يحارب مؤسسات الفساد، ويحاول التغيير في عالم قاس يوصم بأنه دون كيخوته. 

ذلك العجوز الهرِم الذي حارب طواحين الهواء ظنًّا منه أنها وحوش أسطورية!
بشكل ما يمكنك أن تصير دون كيخوته. بشكل ما يمكنك أن تكون مثله، تتفادي أخطاءه، أو تطورها. بشكل ما- عندما تصير كاتبًا- عليك أن تحاول التغيير.

ما زال الناس يقرأون فاوست لجيته، الشاعر الألماني الأشهر، وما زالت أزمة فاوست ماثلة في الأذهان. مأساة الإنسان المحدود الناقص الطامح للكمال، لدرجة أنه يضع يديه في يد الشيطان.
الكتابة تجربة خاصة جدًا. تجربة جريئة ومثيرة بلا شك.

تجربة تخرج فيها من ذاتيتك للعالم الواسع الرحب، بغية أن تغيّر فيه للأفضل.

خلال التدوينات القادمة سأتحدث خلال سلسلة طويلة إن شاء الله، من أجل أن نحارب سويًا شياطيننا، ونكتب رواياتنا.

فكنْ معنا.
إرسال تعليق