السبت، 24 أغسطس 2013

قواعد الكتابة الناجحة


عودة مرة أخرى إلى عالم الكتابة الساحر. اليوم سنتكلم عن قواعد الكتابة الناجحة، كما حددها كاتب الخيال العلمي الأمريكي الشهير" روبرت أ. هيينلين". بديهي أنني سأذكر القواعد، ثم أتبعها بتوضيح متواضع، ومن وجهة نظري الخاصة.

القاعدة الأولي:يجب أن تكتب!


يمكنك أن تنتقل إلى القاعدة التالية بمجرد قراءة الأولي؛ فهي لا تحتاج إلى شرح! خطوة مهمة أن تفكر في عملك ليل نهار، وتختمر فكرته وحبكته وصراعاته وأحداثه وشخصياته بداخلك، وتصنع أرضًا صاخبة يجتمع عليها كل ذلك. لكن من الممكن أن يتحول هذا إلى قنبلة موقوتة تنفجر فيك بكل قسوة، عندما تفعل هذا باستمرار دون تحرك حقيقي من ناحيتك، وتكون النتيجة أنك لا تكتب حرفًا واحدًا مما فكرت فيه! إن عقلك لن يكون طيّعًا لك من أول مرة. الفرق بين التفكير والممارسة الفعلية يكون شاسعًا في البداية. عندما تسترخي وتفكر في عملك الأدبي، يسرح خيالك حيث تكتب فيه النصّ بالفعل، وتنشره في مُجلد أنيق أو من خلال النشر الإلكتروني، وتبيع نصف مليون نسخة على الأقل، وتشتري قصرًا منيفًا في السادس من أكتوبر، وتتم ترجمته لخمسين لغة على الأقل، قبل أن يُتوّج نجاحك الباهر هذا بأن تتسلم جائزة نوبل للآداب، وأنت تحني ظهرك بتواضع للجمهور الجالس أمامك، وللملايين على شاشات التليفزيون، وأنت ترمق زوجتك الجالسة في الصفّ الأول، وهي تبكي بفخر وسعادة، وأنت تلوّح لها بمنديلك، مرسلًا لها قبلة في الهواء، وربما شكرتها، ورددت فضل نجاحك إليها، باعتبار أن وراء كل رجل عظيم امرأة، وربما كنت تتخيل نفسك( بدون تعمد) مكان جون ناش، في فيلم عقل جميل لراسل كرو، في المشهد النهائي فيه! هذا كله جميل! إنك تتخيل هذا في ثوان قليلة، ثم تشعر بعدها باسترخاء سعيد، ويبرز كرشك لأعلي، وربما تنام لتعيد تصنيع حلم اليقظة هذا في المنام! هذه الأحلام- أحيانًا- ربما تساعد في أن تجدّ وتكدّ من أجل أن تحققها، أو أن تكتفي بها، وتشعر برضا عظيم عنك وعن الكون؛ باعتبارك قد نجحت في خيالك، وهو أمر يكفيك! السرّ العظيم في إتقان الكتابة يكمن في الممارسة الفعلية. عملية التفكير ذاتها يمكن أن تتطور مع الكتابة. يمكنك أن تخلق عادة جديدة لعقلك. أن يضيء مصابيحه واحدًا تلو الآخر بمجرد أن تمسك بدفترك وقلمك، أو تجلس أمام كمبيوترك، فبمجرد أن تلمس لوحة المفاتيح يتمطى عقلك ويتثاءب، ويقول" ها نحن نبدأ!”. في الواقع أن الجسد والعقل يصعب ترويضهما في البداية، لكنك عندما تعودهما على شيء ما ستكون النتائج باهرة حقًا. الآن.. أيًا كانت الفكرة في عقلك، فابدأ في كتابتها، وسرْ معها، وستعرف عن يقين إلى أين تقودك.

القاعدة الثانية: انته مما بدأت الكتابة فيه

هذه القاعدة مهمة جدًا. ربما ينتابك النشاط عندما تقرأ القاعدة الأولي، وتشعر بأنك تحولت إلى مفاعل نووي يريد الانفجار من فرط التحمس والرغبة في الكتابة. ستجلس إلى الكتابة، وتبدأ في خطّ أولي كلماتك. حسنًا. هناك خطر معروف يقابل من يبدؤون الكتابة؛ وهو أنهم في مرحلة ما يتوقفون! إما بسبب الملل، أو لأنهم يضيعون في عوالم قصصهم ورواياتهم، ولا يستطيعون العودة! بغضّ عن السبب أيًا كان، فلابد ألا ترتكب هذه الغلطة. يمكنك أن تأخذ راحة قصيرة. تذهب لمكان طبيعي خلّاب. تشاهد فيلمًا جميلًا يعيد شحن بطاريات عقلك. لكن لا تترك الإحباط- ذلك الشعور القاتل- بأن يتسلل إليك. كما قلتُ فإن ترويض العقل مع أصابعك يحتاج لوقت. هذا الوقت قد يطول أو يقصر مع درجة تركيزك ومثابرتك وتنظيمك للعمل. ليس من المهم أن تتطابق الفكرة بعقلك بالواقع، يكفيك أن تقترب منها فحسب، وربما تفوقت على نفسك.. التجريب والممارسة اليومية تخلق نوعًا من الألفة بذاتك، حتى لو كنت كارهًا لطقس الكتابة طويلًا لأنك شخص ملول! ستندهش عندما تقرأ ما كتبته بعد أيام. صحيح أنها ستجد مناطق ضعيفة، وعبارات مبتذلة، وإكليشيهات أكل الدهر عليها وشرب( وهو إكليشيه آخر قديم، لكنه معبر جدًا كما تري!)، لكنك- في المقابل- ستجد فقرات طازجة، وروح عفوية تسري في الكلمات، وأشياء أخرى كثيرة. الكتابة أشبه بمغارة على بابا.. كلما سمحت لنفسك أن تتجول فيها أكثر ستجد المزيد والمزيد من المفاجآت. اللذة الكبرى عندما تُنهي عملك بالفعل- على أي صورة.. هذا ليس مهمًا!- ستشعر براحة عميقة. ستشعر أنك أنجزت شيئًا. قد يكون رديئًا.. تقليديًا.. سخيفًا.. ربما.. لكنك أنجزته على كل حال.. وفي المرة الثانية.. والثالثة.. في كل مرة مستواك سيتحسن.. وستندهش عندما تجد أنك تكتب أشياء كثيرة وجيدة.. لا تنس.. لابد من إنجاز عملك بأي شكل.. وإياك والدخول في مشروع جديد قبل إنهاء الأول! هذه حيلة عقلية حتى تضحك على نفسك، وتعطيها مبررًا لكي تهرب من المشروع الأول.. لو فعلت هذا فستأتي في نقطة ما بالمشروع الثاني وستتوقف.. وتهرب لمشروع ثالث.. وهكذا.. وتكون النتيجة أن درجك سيزدحم بالمشاريع الناقصة غير المكتملة، وستجد أن هناك صفة سيئة أُضيفت إليك: وهي عدم إكمال المشاريع!.. صحيح أنك ستكتسب خبرة ما من طول الكتابة في هذه المشاريع، لكن في المقابل ستجد أنك تهدر وقتًا طويلًا دون جدوي حقيقية، وهو ما سيصيبك بإحباط نفسي مدمر!
أكرر: لابد من إكمال مشروعك الأدبي تمامًا.


القاعدة الثالثة: لا تعد الكتابة، باستثناء التحرير!

هذه القاعدة قد تبدو غريبة بعض الشيء، لكنها واقعية جدًا، وتؤكد القاعدة الثانية. هناك من الكّتاب من يشغل نفسه بالتنقيح والتعديل، وإبدال موقف بدل موقف..إنه يريد الوصول للكمال. وهذا أمر جميل، لكنك في الواقع تفتح على نفسك بوابة من بوابات جهنم! تخيل أن تكتب رواية عن وصول فضائيين للأرض. هناك عشرات الاحتمالات من الممكن أن تستثمرها. كل احتمال قد يقتضي حبكة جديدة، أو خلق شخصية جديدة مناسبة.. تخيل لو أنك تركت نفسك لدوامة التعديلات، وإعادة الكتابة، والتنقيح المستمر: ستكون النتيجة كارثية على المدي البعيد. إنها محاولة أخرى لتضييع الوقت. محاولة قد تصيبك بالإرهاق والملل. قد تحرق دفتر الذي تكتب فيه، وتقول بأنك كاتب فاشل لم يُخلق للكتابة. سيقول قائل: هل أنت ضد الجودة؟ العمل بالكيفّ وليس الكمّ. متفق مع هذا الكلام طبعًا، ولهذا توجد ميزة التحرير. والتحرير مهنة غير موجودة بالعالم العربي للأسف إلا على نطاق محدود وغير ملحوظ. التحرير هو أن يُنقّح النصّ جيدًا. تنقيح لغوّي، وبلاغي، قد يقتضي حذف بعض الفقرات، أو الصفحات، أو الشخصيات، أو مناطق في الحوار، وقد يكون العكس. المهم أن لا تشغل نفسك بهذا.. الكتابة عملية تصلح نفسها بنفسها، وستجد أنك- بمرور الوقت- تنجز عملك بسلاسة دون الوقوع في الأخطاء السابقة! أكرر: لا تعد الكتابة.. اترك كل شيء للتحرير!

القاعدة الرابعة: لابد أن تنشر!

هذه القاعدة هي النتيجة المرجوة من عملية الكتابة. إنك لا تكتب لذاتك أو لكي تضع أعمالك في الدرج. إنك تطمح أن يُنشر عملك. هذه الخطوة في غاية الأهمية، لأنها تمنحك ثقة في نفسك. طبعًا هذه الأيام من السهل أن تنشر. مع وجود الثورة المعلوماتية، يمكنك أن تنشر كتابك مجانًا على الإنترنت، أو من خلال منصة بيع محترمة. يمكنك أن تنشر ورقيًا، وقد تدفع أو لا تدفع.. هذا الأمر لم يعد صعبًا كما كان منذ أعوام. لكن السؤال هنا: هل سينتشر كتابك ويُباع فعلًا، أم...؟

القاعدة الخامسة: لابد أن تحرص على وجود كتابك في السوق حتى يُباع!

هذه هي إجابة الفقرة الأخيرة من القاعدة الرابعة. لابد أن تحرص على أن يُباع كتابك. حاول أن تفكر خارج الصندوق. سواء أكان النشر ورقيًا أو إلكترونيًا فأنت تحتاج إلى أن تمتلك عقلية المسوّق. تعامل مع كتابك على إنه سلعة. فكر في طرق جديدة ومبتكرة، وكثف أفكارك، وحولها على أرض الواقع، بحيث يصير كتابك كابوسًا حقيقيًا للقاريء، يقابله في كل مكان، حتى يرضخ أخيرًا ويشتريه! قد يقول أحدكم أن هذا لا يجوز، وأن الكتاب ليس سلعة؛ بل هو رسالة وقيمة. لا أختلف معك يا عزيزي، لكن كيف سيعرف القاريء بوجودك أصلًا إن لم تحاول أن تسوق لكتابك بكل طريقة، حتى يغدو ملء السمع والبصر؟ ومن حسن الحظّ أن طرق التسويق معروفة وكثيرة، وببحث بسيط على جوجل ستعرفها. حاول أن تهتم بطرق التسويق الغربية لأنها أكثر احترافية، مع وضع لمساتك الخاصة، وتفكيرك المستمر في طرق جديدة.
......
هناك بعض النصائح الأخرى يمكن إضافتها. النصيحة التالية من Robert J. Sawyer، والذي كتب موضوعًا جميلًا عن القواعد السابق ذكرها يمكنكم الرجوع إليه:هنا

القاعدة السادسة: ابدأ في كتابة شيء آخر.

في ذات الوقت الذي تقوم فيه بطرح كتابك للبيع، ووسط محاولاتك للتسويق، ابدأ في كتابة واحد آخر.. لا تجعل تلك العملية تستغرقك، حتى تنسي هوّيتك ككاتب. تطبيقك للقواعد باستمرار ودون توقف، سيخلق منك مبدعًا حقيقيًا. هناك مقال ممتع للراحل" رجاء النقاش" تكلم فيه أحد أعمال دستويفسكي، والذي يحكي عن موسيقار عبقري، لكنه سكير وكسول، ويشكو الزمان وأهله، وهناك موسيقار آخر مبتديء، لكنه صبور ومثابر، ولا يكفّ أبدًا عن التعلم.. وكانت النتيجة أن الموسيقار العبقري دمر نفسه بنفسه، بينما ارتقي الموسيقار المبتديء نتيجة اجتهاده وصبره.. وتذكر قاعدة المخترع الأمريكي الشهير" آديسون": النجاح: 1% موهبة.. 99% مثابرة!

القاعدة السابعة والأخيرة،( وهي من العبد لله كاتب هذه السطور): المحاكاة!

ربما تبدأ مشوارك في الكتابة، وأنت تحاول ألا تقلد فلان أو علان من الكتّاب في أسلوبه.. إنك متأثر بأحدهم، لكنك تحاول الفكاك من جاذبيته. لابد أنك قرأت الكثير من نصائح الكتّاب الفطاحل، وهم يخبرونك بأن تحاول أن تكون نفسك.. وهو أمر جميل، لو كنت تعيش على جزيرة منعزلة، لا توجد فيها مؤثرات خارجية! ليس عيبًا أن تقلد كاتبك المفضل، وحتى لو عن غير قصد.. في نهاية المطاف ستجد أنك تخلق أسلوبك الخاص... والواقع أن " انجار كارتينيكوفا" في كتابها: كيف تتم كتابة السيناريو( ترجمة : أحمد الحضري، والناشر: المجلس الأعلى للثقافة بمصر)من أنصار هذه الرأي، وتضع مثالًا بأن من يريد أن يتعلم الرسم والنحت فعليه أن يراقب الأعمال العظيمة للفنانين في هذا المجال حتى يغدو عظيمًا مثلهم. البعض يري أن العكس هو الصحيح. لابد أن تخطيء وتمارس حتى تتعلم.. يمكنك أن تفعل هذا أو ذاك، أو تمزج بين الاثنين لو أردت.. المهم أن تبدأ مشوارك؛ فمشوار مليون خطوة يبدأ بخطوة أولي!




إرسال تعليق